محمد جمال الدين القاسمي
450
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الناس يقولون ذلك . القرآن الذي أنزله اللّه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم . وهو كلام اللّه لا كلام غيره . وإن تلاه العباد وبلّغوه بحركاتهم وأصواتهم . فإن الكلام لمن قاله مبتدئا ، لا لمن قاله مبلغا مؤديا . قال اللّه تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] . وهذا القرآن في المصاحف كما قال تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ البروج : 21 - 22 ] . وقال تعالى : يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [ البينة : 2 - 3 ] . وقال : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [ الواقعة : 77 - 78 ] . والقرآن كلام اللّه بحروفه ونظمه ومعانيه . كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام اللّه . وإعراب الحروف هو من تمام الحروف . كما قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات . وقال أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما : حفظ إعراب القرآن أحبّ إلينا من حفظ بعض حروفه . ثم قال رحمه اللّه : والتصديق بما ثبت عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، أن اللّه يتكلم بصوت وينادي آدم عليه السلام بصوت ، إلى أمثال ذلك من الأحاديث . فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة . وقال أئمة السنة : القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق ، حيث تلي ، وحيث كتب . فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة . لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل . ولا يقال غير مخلوقة ، لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد . ولم يقل قط أحد من أئمة السلف : إن أصوات العباد بالقرآن قديمة . بل أنكروا على من قال ( لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق ) وأما من قال : إن المداد قديم - فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة . قال اللّه تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ الكهف : 109 ] ، فأخبر أن المداد يكتب به كلماته . وكذلك من قال ( ليس القرآن في المصحف . وإنما في المصحف مداد وورق وحكاية وعبارة ) فهو مبتدع ضال . بل القرآن الذي أنزله اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم هو ما بين الدفتين . والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس ، له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء . وكذلك من زاد على السنة فقال : إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة ، مبتدع ضال . كمن قال : إن اللّه لا يتكلم بحرف ولا صوت - فإنه أيضا مبتدع منكر للسنة . وكذلك من زاد وقال : إن المداد قديم - فهو ضال . كمن قال : ليس في المصاحف كلام اللّه . وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون : إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط ، كلام اللّه - فهو بمنزلة من يقول : ما تكلم اللّه بالقرآن ولا هو كلامه . هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل